الأسباب الحقيقية لتصفية عباس لغرور والساعات الأخيرة من حياته

الأسباب الحقيقية لتصفية عباس لغرور والساعات الأخيرة من حياته

الأسباب الحقيقية لتصفية عباس لغرور والساعات الأخيرة من حياته

بعد مؤتمر الصومام الذي تم رفض بنوده من اغلب قادة الثورة كانت هنالك حملة تصفية تمس القادة العسكريين لثورة التحرير و ليس صدفة ابدا انهم كلهم من مناضلي حزب الشعب .. وهنا لا توجد ادلة دامغة اكثر من ماذكره فرحات عباس في مذكراته لانه يعتبر احد اكبر المنادين بالاندماج مع فرنسا و يعتبر الثورة حرب اهلية .. وكان الذراع السياسية لرموز مؤتمر الصومام للذهاب و التفاوض مع فرنسا لوقف مايسمونه الحرب الاهلية .

 يشير فرحات عباس في مذكراته أنه : في ماي 1955 استقبلت مسؤولين من جبهة التحرير الوطني في منزلي كان العقيدان أوعمران و عبان رمضان ، طلبا مني أن أساعدهما ... تحدثنا ، وقلت لهما هل تعطياني الإذن للذهاب إلى فرنسا لإيقاف هذه الحرب مع الفرنسيين ، وقد سمحوا لي بذلك ، و ذهبت إلى فرنسا للتفاوض من اجل توقيف الحرب الاهلية .

 يواصل فرحات عباس حديثه قائلا : أمسكت بجبهة التحرير الوطني دون أن أكون عضوا فيها لكن المسيرين أرادوا أن أكون فيه لتقوية الوحدة في حرب الثورة في هذه الشروط ذهبت إلى القاهرة ممثلا لجبهة التحرير الوطني و قمت بالتصريح الشهير في 25 أفريل 1956 و بعدها بسنتين أصبحت على رأس الحكومة المؤقتة في 1958 دون ان أطلب ذلك من قبل قدماء المسؤولين الذين تسببوا في العصيان .
و يتضح ان كل من اوعمران و عبان رمضان حسب شهادة عباس فرحات يعتبران ان الثورة التحريرية مجرد حرب اهلية يجب ايقافها بإعطاء الاذن لفرحات عباس لإيقافها بسرعة بالاتصال بالفرنسيين الذين يعتبرون إخوانهم و جيرانهم و أصدقائهم ، و هما الشخصيتان اللتان لعبتا دور كبير في تصفية عباس لغرور و لزهر شريط كما أوردنا سابقا و إعطاء أمر بتصفية عاجل عجول لعميروش .

 هذه الشهادة تقودنا إلى شهادة أخرى و هي شهادة مالك بن نبي الذي تحدث عن قيادة منفصلة بالعاصمة (الجزائر ) في شهر أفريل 1955 ، عن قيادة الثورة بجبل الأوراس و تأكد انفصالها بلقبها المستعار ( ZAA ) أي القيادة المستقلة لمنطقة العاصمة .

 كما يضيف مالك بن نبي أن : هذا السلوك يخالف تماما مبدأ " وحدة القيادة " الذي يجب التمسك به في الحروب الثورية على وجه الخصوص ... بينما رأينا قيادة العاصمة تتخذ قرارات تخالف تماما خطة القيادة " بالأوراس " ، مثل الدعوة إلى مؤتمر الصومام في اوت 1956 والتي أسست مجلس التنفيذ و التنسيق الذي عبر تأسيسه عن قلب النظام الثوري رأسا على عقب ، حيث كانت نتيجته الأولى تقرير الجانب السياسي على الجانب العسكري في قيادة الثورة و توجهها ( هذه البدعة التي رفضها اغلب قادة الثورة ) أو بعبارة أخرى وضع مصير بن بولعيد و اخوانه المجاهدين على يد فرحات عباس و فرانسيس و بن خدة ... الخ

 كان الهدف واضح و ينقسم الى ثلاث اجزاء : اولا تحييد كبار القادة العسكريين من مناضلي و ابناء حزب الشعب .. و ثانيا احتواء مسار خط الثورة و توجيهها وصولا للمرحلة الثالثة و هي بداية التمهيد للتفاوض مع فرنسا و هو ماحدث من مهزلة اتفاقيات ايفيان .. ارادوا القضاء على الرعيل الاول للثورة لانه رفض التفاوض و رفض بنود الصومام وكان مؤمنا بمباديء اول نوفمبر ، وارادوا تهميش وتقليص الدور الريادي والبطولات لمجاهدي وابطال وقادة الاوراس الاشم ، والسيطرة على الوضع والتمكن من المفاوضة مع فرنسا دون ازعاج .

 الهدف هو ان تخرج الثورة من يد قادتها تمهيدا لبداية المفاوضات مع السلطات الفرنسية .


 لقد انعقد مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 و ولم تحضر متزعمة الثورة " الأوراس " التي كانت تحت قيادة عاجل عجول و عباس لغرور كما أوردنا سابقا ، ضف إلى هذا فإن قرارات هذا المؤتمر لم تكن من صنع الحاضرين بل أحضرها عبان رمضان و طلب من المجتمعين الإمضاء عليها حسب شهادة بن طوبال و لم يشارك في صياغتها المؤتمرين ، كما تمخض عن هذا المؤتمر قرار أولوية السياسي عن العسكري .

 هذا القرار حسب رأيي كان الهدف منه إقصاء قادة المناطق عن قيادة جبهة التحرير الوطني و في مقدمتهم قادة المنطقة الأولى ليتحكم في الثورة لجنة التنسيق و التنفيذ المنبثقة من مؤتمر الصومام الذي بدوره منبثق عن القيادة المستقلة لمنطقة العاصمة المنفصلة عن جبهة التحرير الوطني في أفريل 1955 ، الداعية إلى هذا المؤتمر و على رأسها عبان رمضان الذي أطلق سراحه دون أن يكمل مدة حكمه ، و الذي سعى رفقة العقيد أوعمران لإيقاف هذه الحرب التي بنظرهم أهلية و تمسهم أصدقائهم الفرنسيين بالاتصال مع الفرنسيين عن طريق فرحات عباس .

 وفي هذه الفترة بالذات، وصل عميروش الى الاوراس حاملا معه قرارات مؤتمر الصومام بسبب غياب قادة المنطقة التي تخلفت عن حضور المؤتمر للأسباب السابقة الذكر، هذا الأخير الذي ذهب فور وصوله للأوراس ركز على الصراع الداخلي بين عجول و عمر بن بولعيد ، و انحاز في هذا الصراع إلى عمر بن بولعيد ، حيث ذهب عميروش يستجوب عاجل عجول أحد كبار ابناء مناضلي حزب الشعب للحركة الوطنية بطريقة تعسفية ، و لم يتوقف هنا فقط بل حاول اغتياله .

 دخلت الولاية في صراعات داخلية كانت عواقبها وخيمة و التي كلفتها غاليا ، ثم جاءت المرحلة الثانية وهي مراقبة قاعدة الجيش التحرير الوطني في تونس باستبعاد محساس و اغتيال عباس لغرور الذي كان في تونس من اجل حل المشاكل الداخلية في المنطقة مع القائد شريط لزهر ( النمامشة )بعد تلقيهما رسالة من محساس من تونس لحل المشاكل التي بينهما 

فعند وصول عباس لغرور إلى تونس عقدت العديد من الاجتماعات ، أكد عباس لغرور فيها انه ليس المتسبب في إحداث أي مشاكل أو خلافات بينه و بين قادة النمامشة و لا في عملية الاغتيالات ، و ان الشخص المتسبب في هذه الحوادث هو عثماني التيجاني ، فطلب منه محساس أن يرسله إلى تونس عند دخوله إلى الجزائر للتحقيق معه ، إلا أن الزين عباد حمله مسؤولية الخلافات و اتهمه بقتل بعض القادة ، و بهذا أعلن بأنه لن يعترف من الآن فصاعدا بقيادته و أنه لا تربطه أي رابطة نظامية .

 إلا إن محساس طلب من الأزهر و الوردي بالاعتراف بقيادة عباس لغرور إلى غاية تشكيل قيادة موحدة ، وفي الأخير تم الاتفاق على استمرارية الاتصالات بين القادة عن طريق الأزهر شريط على إن تكون هذه الاتصالات كتابية بين الطرفين .
و بعدها دعا عباس لغرور قادة النمامشة إلى اجتماع في فيلا بضواحي تونس العاصمة إلا أن هذا الاجتماع تم افشاله و بقي فاعله مبني للمجهول.

 حيث تدور أحداث القصة كالآتي : عندما دخل القادة إلى قاعة الاجتماع في تلك الأثناء و ما انتهى عباس من قوله " بسم الله الرحمان الرحيم " حتى ناده الوردي قتال يقول : بعد أن ناداه عبد الحي بقوله : أننا نحتاج إليك فخرج إليه على عجل ، وما كاد يتخطى عتبة الباب حتى كان احمد راشدي قد أغلق الباب بسرعة خاطفة بالبندقية الرشاش و في اقل من لمح البصر أطفئت تلك الشموع ، عندئذ بدأ الرصاص يجند لنا .

 توقيف عباس لغرور و إعدامه :


 و بعد هذه الحادثة قام ساعي أحد المصابين بإعطاء الأمر بتهريب عباس لغرور إلى الجزائر إلا انه عند التحاقه بالحدود على جناح السرعة نصب كمين للقوات الفرنسية المرابطة بالحدود الجزائرية التونسية ، و بعد هذا الكمين توجه عباس نحو التراب الوطني إلا انه وجد نفسه أمام علي بن احمد مسعي الذي أمر بالقبض عليه قائلا : " سي عباس عندي أمر بإلقاء القبض عليك " و عندما سمع الجنود هذا الكلام تحركوا لحماية عباس ، قال لهم : " ابقوا أماكنكم أنا أنفذ الأمر و أتوجه إلى من دعاني من المسئولين و لا أخاف من أي شيء أما أنت يا سي علي فسر بي و نفذ الأمر الذي أعطي لك ".

 و بعدها تم تسليمه للسلطات التونسية التي وضعته تحت الإقامة الجبرية ثم سلمته لجبهة التحرير الوطني لتتم محاكمته محاكمة شكلية ، و التي قال عنها عمار بن عودة إنها مشكلة من : عبد الله بن طوبال رئيسا ، و عمار بن عودة نائبا له ، و عمار بوقلاز عضوا ، و محمود الشريف مدعيا ، و كانت نتيجة المحكمة الحكم عليه و على لزهر شريط بالإعدام حيث اتهامه بما يلي :

  إعدام شيحاني بشير : و قد اعترف عباس لغرور بكل صراحة بإعدامه لشيحاني بشير . عندما استجوبه عميروش ، معتبرا ذلك بأنه طبق القانون و أن شيحاني نال جزائه و هنا من المفروض أن لا يتم سؤاله عن شيحاني لأنها تبقى قضية داخلية للمنطقة لأنها حدثت قبل مؤتمر الصومام حيث كانت كل منطقة تسير نفسها بنفسها بالإضافة إلى هذا من يكون عميروش حتى يستجوب قائدا أعلى منه رتبة .

 عميروش ارتكب خطأ فادح بقبوله التوجه الى الاوراس و محاكمة لغرور في قضية قديمة وقعت اصلا قبل قيام مؤتمر الصومام ؟ فكيف يحاكم قائد عسكري بقوانين مؤتمر لحادثة وقعد قبلها بمدة طويلة ؟؟ اذا كان قرار اعدام لغرور اتخذ و اما الباقي فهي اسباب وفقط .. و لهذا تم ادخال عميروش و ثقله الجهادي في مخطط لتصفية قادة عسكريين .. و الغلط الثاني هو قبول عميروش استجواب و التحقيق مع قائد عسكري اعلى منه رتبة ؟؟ و السبب الثالث وهو الجوهري كيف يقبل عميروش القيام بهذا التحقيق وهو يعلم مسبقا ان القائدين لزهر شريط و لغرور متحفظين على بنود مؤتمر الصومام ؟؟ خصوصا خدعة اولوية السياسي على العسكري التي كان هدفها عزل الرعيل الاول من كبار القادة لفسح المجال للتفاوض مع فرنسا ؟

  إلا أن شهادة بن عودة يقول أن محاكمة لغرور لا علاقة لها بقضية شيحاني ، و أن أوعمران هو من أعدم عباس لغرور بأمر مباشر من عبان رمضان .

 و بالفعل قد حكم هذان الرجلان بالإعدام على عباس لغرور و لزهر شريط وآخرون في محاكمة عسكرية بتونس في 21 و 22 جويلية1957 .

 و بهذا استشهد عباس لغرور وتعرض لظلم كبير لثلاث اسباب رئيسية


1- لانه منذ صغره تكون تنظيميا و عسكريا و سياسيا على النضال في حزب الشعب .

2- رفض بنود مؤتمر الصومام لانها تعطي الاولوية للسياسي على القائد العسكري في وقت الثورة لم تنتهي و صوت الرصاص لا يزال يدوي .

3- لاسباب اخرى منها جهوية و منها لانه شاب صغير و فعل مالم يفعله اقرانه و حتى من هم اكبر منه بفضل خططه الحربية و كان المطلوب رقم واحد لدى المستعمر .

  هو من كان رجل المعارك في 20 جويلية 1957 ، و تزينت من هم دونه بالكثير من الرتب العسكرية دون أن يقابلوا عسكريا واحدا في الميدان الحربي .

 و لمعرفة سبب تصفية عبان رمضان و اوعمران لعباس لغرور بدون وجود أسباب مقنعة أو منطقية لتصفيته ، قمنا بربط الأحداث التاريخية الحاصلة في تلك الفترة من اجل محاولة الوصول إلى حقيقة هذا الاغتيال الذي أصدره عبان رمضان حسب شهادة بن عودة احد المشاركين في محاكمة عباس لغرور التي سبق و أن ذكرناها بالإضافة إلى شهادة رئيس الحكومة المؤقتة التي أدلى بها بعد الاستقلال فيما يخص استقباله لكل من عبان رمضان و العقيد اوعمران في أفريل 1955 اللذان طلبا منه الاتصال بالفرنسيين بهدف إيقاف الحرب لأنها في نظرهم حرب أهلية ، و أن الفرنسيين اخوانهم و أصدقائهم و جيرانهم .

و بالتالي فإن تصفية عباس لغرور كانت ضرورة حتمية فرضتها الظروف المحيطة به من تغير جذري في نظام جبهة التحرير الوطني ، و ظهور قيادة جديدة و المتمثلة في لجنة التنسيق و التنفيذ التي طغت عليها الصبغة المركزية ( المركزيين هم من انشقوا على حزب مصالي الحاج ) و على رأسها عبان رمضان الذي سعى لإيقاف هذه الحرب ، التي كانت تتزعمها الأوراس ، هذه الأخيرة التي كانت لها العديد من القيادة التي ألحقت الخسائر الفادحة في صفوف الاستعمار الفرنسي ، و أدخلت الرعب في نفوسهم و هذا بشهادتهم كما أوردنا سابقا و ابرزهم عباس الغرور و لزهر شريط ، حيث أصبح قطاع عباس لغرور يوصف بجهنم من قبل اكبر ضباط الاستعمار الفرنسي اللذين ذاقوا الويل في هذا القطاع .

وبالتالي إن قمنا بربط شهادة فرحات عباس فيما يخص رغبة عبان رمضان و العقيد أوعمران فيما يخص إنهاء الثورة و اتصالهم بفرنسا من أجل ذلك ، و شهادة بن عودة فيما يخص ان عبان رمضان هو من أعطى أمر لأوعمران لتصفية عباس لغرور ، هذا الأخير الذي سارع لتنفيذ الحكم ، فإنه تتبادر إلى أذهاننا أن عبان قام بتصفية عباس لغرور لصالح فرنسا و قد يكون بأمرها ان كان على اتصال حقيقي بفرنسا كما صرح فرحات عباس ،لأنه يشكل خطرا عليها و على عبان رمضان و لجنة التنسيق بأكملها .

شهادة المجاهد أحمد محساس حيث قال : «مؤتمر الصومام فتح الباب للاغتيالات داخل الثورة... ولقد حاول عبان اغتيالي... وإن نجوت أنا فإن جماعة "عبان" قتلت 15 معارضاُ لمؤتمر الصومام .. »

إن الأساس في الرتب العسكرية هي الانجازات العسكرية من انتصارات و نجاحات تحقق في الميدان الحربي و هي التي تحدد رتبة القائد حيث ترفعها أو تنزلها ، و عباس لغرور هو القائد الوحيد الذي استطاع أن يحقق اكبر الانتصارات على العدو الفرنسي بإستراتيجية فريدة من نوعها حسب شهادة القادة العسكريين الفرنسيين ، و بالتالي هذه الانتصارات تضعه فوق الجميع . وهذا ما يرفضه بعضهم .

إن هذا الإعدام لشخصية مثل عباس لغرور في فترة كانت الجزائر تحتاج لقائد بهذا الحجم هو من اكبر الأخطاء الإستراتيجية لقادة جبهة التحرير الوطني ، اللذين سمحوا بتصفية قائد من هذا الصنف .

المصادر والمراجع


- مذكرات عباس فرحات
- شهادة المفكر مالك بن نبي
- مذكرات بن عودة
- شهادة المجاهد صلاح الدين محمد
- شهادة المجاهد أحمد محساس
- الكاتب الدكتور مختار هواري
- المؤرخ محمد زروال في كتابه " النمامشة في الثورة "
- المؤرخ محمد امين بلغيث


بقلم زكي أيوب 
google-playkhamsatmostaqltradent