U3F1ZWV6ZTMzNTI3MjM2OTc2X0FjdGl2YXRpb24zNzk4MTczMzc3NTk=
recent
اخر أخبار

علاقة الأمير عبد القادر بخلفائه

علاقة الأمير عبد القادر بخلفائه

علاقة الأمير عبد القادر بخلفائه
علاقة الأمير عبد القادر بخلفائه

الأمير عبد القادر شخصية كبيرة في تاريخ الدولة الجزائرية الحديثة، فقد أحياها بعد سقوط الجزائر، حامية الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.

وجهاز الأمير الإداري الذي واجه به الاحتلال الفرنسي لبلادنا كان بمقاييس العصر، بداية تأسيس لدولة عصرية، وتنظيم مؤسساتي، بلغ درجة كبيرة من الإحكام ما لم تبلغه أيُّ دولة في عصره في المحيط الإقليمي للجزائر.

ولم يتمكن الفرنسيون من اختراع ما هو أفضل وأضبط منها عندما آل إليهم حكم البلاد فيما بعد، فاكتفوا باعتماده كما هو، دون أن يدخلوا عليه تعديلا يذكر( ). لهذا أطرح في مطلع هذه الدراسة إشكالية حاول الاقتراب منها الأدباء والمؤرخون سواء في دراسات ومؤلفات وسِيَرِ ذاتية وهي كيف كان جهاز دولة الأمير الإداري

وبتعبير آخر: من هم هؤلاء الرجال الذين أحاطوا بالأمير عبد القادر الجزائري في أشدِّ الظروف العصيبة التي عرفتها المقاومة المسلحة؟ وكيف تم اختيارهم، وبمَ تميز به هؤلاء الرجال، ثم لماذا لم يتمكنوا وبحضور قيادة
الأمير الإدارية والعسكرية من رفع التحدي في وجه الاحتلال الفرنسي لبلادنا؟.

رجال من حول الأمير:

لقد تمكن الأمير من تنظيم جهازه الإداري تنظيمًا محكمًا، وكان خلفاؤه حينما بلغ أوج قوته في ظل معاهدة التافنة، حيث عين على معسكر الخليفة محمد بن فريحة المهاجي وبعد وفاته خلفه الحاج مصطفى بن أحمد التهامي، وجعل على مقاطعة تلمسان أبو عبد الله محمد البوحميدي الشخصية المخلصة والعقل المدبر الذي كان بإمكانه القيام بدور فعال رغم الظروف التي عرفتها دولة الأمير في آخر مراحل المقاومة من خلال تحالف المغرب الأقصى بالدولة الفرنسية الاستعمارية، وعلى مليانة عين محي الدين بن علال، وبعد وفاته خلفه محمد بن علال، وجعل على المدية شقيقه مصطفى بن محي الدين الذي رآه عابدا زاهدا لا يصلح لإدارة الدولة وشؤون الحرب، ثم خلفه محمد بن عيسى البركاني.

وجعل على إقليم الشرق في برج حمزة (البويرة) أحمد بن سالم الخليفة المخلص الوفي والإداري المحنك، وعلى مجانة وعاصمتها سطيف محمد بن عبد السلام المقراني، ثم محمد بن الخروبي القاضي، ثم محمد بن عمر العيسوي، وعلى الزيبان والصحراء الشرقية وعاصمتها بـسكرة عروس الزيبان فرحات بن سعيد، ثم الحسن بن عزوز البرجي فمحمد الصغير بن أحمد بلحاج خال بن قانة الموالي للفرنسيين، ثم توالى عليها عدد من الخلفاء.

وأما الأغواط والصحراء الغربية فقد عين عليها الخليفة قدور بن عبد الباقي، أما الحضنة فعين عليها أحمد بن عمر الذي كثيرا ما كان يساعد منطقة الزيبان كما حدث في معارك الحسن بن عزوز البرجي مع قبيلة الغرابة الموالية لبن قانة، وعلى الجلفة كان الشريف بن الأحرش الخليفة الذي كان ينوب عن الأمير في المبارزة( )، ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء الخلفاء شخصية محورية في الشرق الجزائري نالت إعجاب الأمير عبد القادر وتمنى زيارتها ومساعدتها في جهادها ضد الوجود الفرنسي هو الحاج محمد الحسناوي زعيم الحنانشة.

والجدول يبين الجهاز الإداري لدولة الأمير عبد القادر الجزائري:
لقد قيَّم الأمير عبد القادر بنفسه متانة جهازه الإداري، كما حدد

اسم المقاطعة مركزها الإداري اسم الخليفة


معسكر معسكر محمد بن فريحة المهاجي وبعد وفاته خلفه الحاج مصطفى بن أحمد التهامي (ابن الشيخ أحمد التهامي)
تلمسان تلمسان أبو عبد الله محمد البوحميدي الولهاصي
مليانة مليانة محي الدين بن علال ثم محمـد بن علال.
المدية المدية مصطفى بن محي الدين شقيق الأمير عبد القادر.
ثم خلفـه محمد بن عيسى البركاني.
الشرق
(سباو) برج حمزة
(البويـرة) أحمد الطيب بن سالم الدبيسي.
مجانة مـجانـة
سطيف طبال بن سالم، محمد بن عبد السلام المقرانـي محمد الخروبي القلعـي. محمد بن عمر العيساوي
منطقة الحضنة بوسعادة أحمد بن عمـر

الزيبان والصحراء الشرقية

بـسكـرة فرحات بن سعيد، الحسـن بن عزوز البرجي.
محمـد الصغير بـن عبد الرحمـن بـن أحمـد بلحاج العقبي
الأغواط والصحراء الغربية الأغـواط الحاج العربي، ثم قدور بن عبد الباقي من تاقدامت.
الجلفة الجلفة الشريف بن الأحرش

شخصيتهم ومكانتهم العلمية والاجتماعية من خلال هذه الحكومة
(حكومة إدارة الحرب)( ). فقال: "كانت أوامري تصل إلى الخلفاء، ومنهـم تنزل في تسلسل مضبوط إلى المشايخ ثم ترفع تقارير المشايخ بنفس التسلسل، إلى أن تصل إليَّ. لقد كان هدفي هو طرد المسيحيين من أرض آبائنا. وكنت دائمًا أتحاشى استعمال (الجوادة) (الأجـواد) وأستعين بالعلماء وأهل الدين في تسيير الحكم. وقد أثبت طول المعركة بأنني كنت على صواب... كما أنني أبعدت بطريقة مطلقة ودون استثناء الممثلين السابقين للحكومة التركية؛ لأنهم كانوا دنيئين، وكان بودي أن يقارن الناس بسرعة بين الذين يمتلكهم العجب وتغريهم زينة الحياة الدنيا، وبيني أنا الذي لم يكن لي إلا هدف واحد وهو انتصار المسلمين. وأدركت بأنني لن أوفق إلى منع القادة الذين عينتهم من أن يقترفوا اختلاسا أو أستطيع معاقبتهم ـ في ما إذا اقترفوا شيئا من ذلك ـ إلا إذا وفرت لهم مرتبا يكفيهم مؤونة الغش؛ ولذا خصصت للخليفة (110 دورو) أي: (550 فرنك) شهريا وصاعا من القمح يوميا حتى يتمكنوا من النفقة على ضيوفهم الكثيرين والذين يستقبلونهم بحكم مركزهم ومسؤوليتهم، وخصصت للآغا (عشر) جميع ما يتقاضاه من ضرائب وذلك نقدا أو عينا.

وكان القائد يعامل أقل من الآغا بحكم مستوى دائرته ومسؤوليته بالنسبة للآغا. وهكذا فإن كل واحد كان يتقاضى ما يناسب مهمته. ولحماية الرعية مما قد يلحقهم من مظالم من طرف رؤسائهم. فقد أقسم (حلف) الخلفاء والآغوات على صحيح البخاري بأن لا يعدلوا عن الحق، وأن يكونوا صادقين في خدمة مواطنيهم. وكنت أسهر بنفسي على جميع أعمالهم"( ).

وقد كان الأمير عبد القادر شديد التدقيق في اختيار أعوانه الإداريين وولاته بحيث لا يكلف بمسؤولية في حكومته إلا من تأكد لديه مقدرته وتقواه ووطنيته، وقد أبعد عن إدارته كل من له مركز ونفوذ في الإدارة القديمة أو تورط بشكل ما في التعاون مع الغزاة الفرنسيين كما سلف أن ذكرنا( ).

وبحكم الحرب المفروضة على حكومة الأمير عبد القادر فقد كانت المقاطعات الثمانية التي تشكل دولة فدرالية، قد أسست لنفسها جيشا نظاميا يقدر بـ6 آلاف ويصل جيش دولة الأمير عبد القادر عند النفير العام إلى أكثر من 59 ألف مقاتل، وكان التنظيم الإداري في عهد الأمير عبد القادر يقوم على الشدة والصرامة التي تدعو إليهما الشريعة الإسلامية في دولة تسعى إلى نشر الأمن وطاعة المؤمنين وتحقيق العدل بين الرعية، فقد كان يصف حكومة الحرب التي عملت إلى جانبه طوال السنوات العجاف التي مرت بها الدولة الجزائرية الحديثة، فقد كان عليه كما قال هو ذاته: "توفير المصاريف لإدارتي، فقد كان علي أن أصنع كل شيئ من العدم رغم

أنني قيدت نفسي بالإنفاق على ما هو ضروري فقط؛ إذ كان لابد من فرض الضرائب الثقيلة على رعيتي، ومن أجل هذا كان خلفاؤه يقومون بجولتين في السنة لاستخلاص الضرائب الشرعية مرة في الربيع لجمع الزكاة ومرة أثناء موسم الحصاد لجمع العشور، وكان الأمير يحاول وهو يطالب القبائل بدفع ما هو ضروري لدعم الدولة أن يوافق ذلك في الوقت ذاته مع مصالحهم الخاصة، بحيث يتم الجمع بين المصلحة العليا للدولة والمصالح الخاصة للمواطنين، ومن أجل ذلك طلب من خلفائه أن يقبلوا بدل الضرائب والغرامات، المواد الاستهلاكية والبغال والإبل وبالأخص الخيول، حيث كان يستفيـد من البغال والحمير في النقل والإمداد والخيول يقدمها لفرسانه.

لهذا السبب اختـار أعوانه من العلمـاء والفقهـاء والمفكرين ليعملوا معه ويشاركوه في تسيـير شؤون الحرب والسياسة والإدارة والتنظيم والاتصال والاستعلام( ).

وكما حدد مخصص الخليفة، فإنه استطاع أن يؤسس جيشًا حديثًا قائمًا على النظام والانضباط حيث خصص لرئيس العسكر المحمدي وهو الآغة (كذا) اثنان وعشرين ريالا، راتبًا شهريا لا ينقص له من هذا العدد شيءٌ وله في كل يوم ثلاثة أرغفة، أحدها من الخبز الأبيض الخاص، والآخران من الخبز الأسمر. أو خمسة أرطال بقسماط عند فقد الخاص. وله ستة أرطال
من البرغل وفي كل ليلة، ونصف رطل سمنًا وخمسة أرطال حطبًا وله مثل ذلك في النهار إن فقد الخبز والبقسماط معًا. وله في كل يوم خميس وإثنين شاة وله كسوة تامة من بيت المال، وإن بليت فإنها تتجدد له بالثمن. فمن المنتان (وهو الغليلة) ثمانية وعشرون ريالا جزائريا، وثمن السروال أربعة وأربعون ريالا وثمن القميص ريال واحد( ).

هذا التنظيم الذي يعبر عن إحساس بأهمية تحديث الجيش لمواجهة القوات العسكرية الفرنسية التي تتميز بالتنظيم العصري والتدريب الكثير والمشاركات الكبرى في أهم الحروب الأوروبية التي عرفها هذا الجيش أيام نابليون بونابرت، ولم يكن الأمير عبد القادر يجهل قوة الجيش الفرنسي لكنه يعلم أن الحق منتصر رغم قوة العدو.
وعلى الرغم مما يتميز به الواقع الجزائري بوجود وحدة ترابية ثابتة منذ قرون خلت وبوجود وحدة لغوية واسعة إضافة إلى الوحدة الدينية، إلا أن هذا لم يبلغ حد الشعور المتكامل بمعنى الأمة المتجانسة، وذلك خاصة في الوسط الذي يتفكك فيه الشعور امتثالا لقانون التفكك القبلي، وإن كان هذا الواقع مثلما سنرى، قد استجاب إلى الأمير عبد القادر في الريف والصحراء رغم المحن التي عرفتها المقاومة في الأغواط وعين ماضي مع التيجانية ومع قبائل الدوائر والزمالة بالغـرب الجزائري التي هي قبائل مخزنية كانت قد عملت مع السلطات العثمانية بالجزائر( ).

  القوات التركية

والغريب أن هذه القوات التركية قامت من بداية الأمر إلى عدم الاتفاق على أسلوب واضح للدفاع عن البلاد ما عدا أحمد باي قسنطينة الذي يعتبر عربيا أكثر مما هو تركيٌّ رغم أنه كان محسوبا على السلطة المركزية في الأستانة، ولا يمكن نكران إخلاص الرجل لدينه ووطنه في أشد الأيام تدهورا( ).

قبائل المخزن والوجهاء أمام الصدمة الاستعمارية:


لقد كان من مبادئ الأمير عبد القادر أن يعلن الحصار الاقتصادي على وهران، ورغم ذلك قررت كل من قبيلة الزمالة وقبيلة الدوائر استئناف المعاملات التجارية مع العدو، وهذا أيضا هو الموقف الذي اتخذه الشيخ أحمد بن طاهر قاضي أرزيو، معلم الأمير عبد القادر الذي راح يمد الفرنسيين بالمواد الغذائية عن طريق البحر، ووعدهم بمدهم بالخيول كما تشير إلى ذلك الوثائق التي استخدمت كحجة مادية لإدانته وإعدامه بعد ذلك في تاقدامت في غياب الأمير عبد القادر.
رغم أن الأمير كان من مبادئه ألا يعدم العلماء والمتعلمين، وهو الذي يقول في تشجيعه لأهل العلم: .. حتى إنني عفوت أكثر من مرة عن أناس مجرمين محكوم عليهم بالموت لمجرد أنهم طلبة، ومعروف أن المرء في بلادنا يحتاج إلى وقت طويل حتى يصل إلى مرتبة عالية من التحصيل في العلم؛ لذلك لم تكن لديَّ الشجاعة لإضاعة ثمار احتاجت إلى سنوات من الجهد في يوم واحد( ).

لهذا نصح أهل الأغواط اتباع خليفته الشرعي الحاج العربي، وقال لهم: 


"أيها المسلمون لا تتخذوا الكفار أولياءكم، بل اتخذوا أولياءكم من بين المؤمنين الحقيقيين فقط".

وهو ما فعله مع أهل جرجرة حينما اختار لهم أحمد الطيب بن سالم الخليفة المخلص الذي كان عين الأمير على الشرق كله( )، ولما وصل
الأمير إلى آخر مراحل الصراع في حياته العسكرية اعترف في سيرته الذاتية أن أغلب أعوانه كانوا له مخلصين، ولكن أخلصهم جميعًا أبو عبد الله محمد البوحميدي ومحمد بن علال.

إن الأمير عبد القادر الجزائري حينما طرح الصورة الحقيقية للصراع الحضاري بين الجزائريين المسلمين وفرنسا المسيحية التي احتلت البلاد وأفسدت الزرع والضرع، وغاية عبد القادر وخلفاؤه تطهير الأرض من الفساد والاحتلال الفرنسي، ومن هذا المبدأ كان الأمير يخاطب خلفاءه بالحفاظ على الشريعة وناموسها في إقامة العدل والابتعاد عن الفساد وظلم المواطنين.

ومن الوثائق الخطية التي تبرز هذه العلاقة بين الأمير ورجال إدارته أو الذين يقاومون الاستعمار ويجاهدون في سبيل الله ما جاء في رسالة الأمير إلى محمد الحسناوي من قبائل الحنانشة، يحثه على الجهاد: الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، سلام يعم الأغوار والنجود ورحمة الله وبركاته ما تعاقب الحلوان بالعدم والوجود على الموصوف بالشجاعة والجود أخانا الواثق بالحق الوكيل القوي السيد محمد الحسناوي أسعد الله حالنا وحاله وبلِّغ في الدارين آمالنا وآماله، وبعد أيُّ الفارس المجاهد الصابر المكابد اسمع أسمعك الله خيرا ووقاك بلطفه خيرا أن شعار الأنبياء وحرفة المؤمنين الأتقياء (الجهاد) فاحمد الله الذي أرشدك إليه وسله أن يثيبك ويعينك عليه.... "( ).

لقد عمل الأمير على اتباع سياسة لينة وهادئة مع خصوم الدولة بشتى
الوسائل، وعمل خلفاؤه على محاولة كسب ود الجارتين تونس والمغرب لتكونا العمق الاستراتيجي له في صراعه المرير مع فرنسا الاستعمارية إلا أنه وجد فيهما الخشب المسنَّدة والعمالة الواضحة والجبن والفشل في حماية البلاد على الرغم من المعرفة الكاملة بأن العدو واحد ومستقبل المنطقة مرهون باستقرار الجزائر وهو ما أكدته الأيام( ).

لقد كانت مواقف النخب الرسمية وقبائل الدوائر والزمالة (المخزن) وبعض الطرق الصوفية العميلة كالتجانية والطيبية( ) وهي ذات سلوك يعبر عن سوء فهم لجدلية الصراع الحضاري حيث وقف مصطفى بن إسماعيل مثلا موقفا مخزيا ورغم أن قاتله قد جاء برأسه إلى الأمير فقد تمنى لو جاءه
على جواده ليستعين به على مقاتلة الفرنسيين( ). قال الأمير: وقد استهجن قطع رأس خصمه مصطفى بن إسماعيل"فإني لا أحب أن يكون مصطفى بهذه الحالة وإنما أحببته أن يأتيني على فرسه حيا مزيل عنا للنكالة".

لقد طرحنا في بداية هذه الدراسة إشكالية كبيرة: لماذا لم يتمكن الأمير ورجاله الذين أخلصوا في السلم والحرب من دحض القوات الاستعمارية في بداية الاحتلال، وعلى الرغم أن الطرح لم يكن جديدا على المدرسة التاريخية الجزائرية ولا على الوثائق التي درست المسألة من جميع جوانبها، ولكن بالمختصر المفيد أقول: إن هؤلاء الرجال بقيادة الأمير كانوا الصيحة القوية الأخيرة لغريق بلغ الدوامة الحقيقية لمحيط عميق آسن، إنه تخلف القرون فلا يمكن إدراكه في أقل من عقدين من الزمن.

فمنذ بدء جهاد الأمير ضد الغزو الفرنسي لم يكن جاهلا بميزان القوى العسكرية والسياسية والعلمية والاقتصادية، لذلك لم يكن لديه وَهْمٌ بالنصر، بل كان يقوم بواجبه الديني والوطني كما يليق بأيِّ رجل سوي العقل شريف، وقد عبرت رسالته من سجنه إلى الأسقف"دوبيش"( ) أنه لم
يكن صاحب أوهام؛ إذ قال: منذ ثلاث سنوات كنت أحارب الفرنسيين وليس لي أن أرى نهاية حميدة لي في هذه الحرب مع أني كنت معتقدا أني لم أقم إلا بالواجب الديني وحفظ بلادي وأخشى أن ألقى شبه الملامة من قومي الذين وثقوا بي وحلفوا ألا يتركوني( ).
وتبقى المسؤولية جماعية في عدم التمكن من طرد المحتل، كما لا يمكن أن تقع المسؤولية على عاتق فرد أو جماعة واحدة؛ لأن الآثار التي تم رصدها حتى الآن تبين أن الشعور بالخطر لم يكن موجوداً لدى معظم الجزائريين قبل سقوط مدينة الجزائر ولم يبدأ هذا الشعور في التبلور إلا بعد احتلالها( ).

الهوامش/

( ) مداخلة قدمتها في الملتقى الوطني الثاني حول خلفاء الأمير المنعقد ببسكرة يومي 18- 19 نوفمبر 1999م.
( ) إسماعيل العربي، الأمير عبد القادر الجزائري (مؤسس دولة وقائد جيش) الموسوعة التاريخية للشباب (أعلام السياسة والحرب)، الجزائر، منشورات وزارة الثقافة والسياحة مديرية الدراسات التاريخية وإحياء التراث، 1984م ص: 22.

( ) ولد الشريف بن الأحرش في شهر جوان سنة 1803م في أرجح الروايات، تعلم مبادئ العلوم في أحضان أسرته، ثم انتقل إلى الزاوية المختارية بأولاد جلال طلبًا للعلم الشرعي حيث تتلمذ على يد شيخ الزاوية الشيخ المختار بن عبد الرحمن وأضرابه من أهل العلم كمحمد بن السعيد بن بركات، والشيخ محمد الشيخ الزين بن بركات، وأظهر ابن الأحرش تفوقا في تحصيل العلوم الشرعية، وبعد عودته إلى قومه أولاد نايل الذين تمتعوا بالثروة والقوة والفروسية التي نوه بها الأمير عبد القادر نفسه من خلال خيولهم العربية التي خصصوها للحرب والتي ميزتهم عن بقية القبائل العربية الجزائرية الأخرى، وقد كان الشريف بن الأحرش الخليفة العالم واسطة بين الأمير وبين انضمام قومه أولاد نايل إلى دولته وقواته العسكرية حيث أصبح الشريف بن الأحرش الخليفة الحقيقي للجلفة وأولاد نايل منذ 1843م بعد أن كان الأمير قد وضع أولاد نايل تحت سلطة خليفته الحاج سي العربي قتل الباشاغا الشريف بن الأحرش خطأ كما تذهب إلى ذلك تحقيقات الباحثين من أهل المنطقة؛ وحسب أخبار المجلة الإفريقية فإنه قد قتل يوم 13 أكتوبر 1864م في عملية استعراضية أمام البرج العسكري بالجلفة من طرف أحد الثوار المتمردين، وقصة هذا الخليفة العالم قصة كل مخلص لهذا الوطن في مواجهة الهجمة الصليبية الفرنسية على الجزائر. وللتفاصيل راجع: حميدة عبد القادر، زاوية الخليفة الشريف بن الأحرش ذاكرة المكان، (أسبوعية بلادي) الجلفة، الجزائر العدد 01، من 06- إلى 21 فبراير 2000م ص: 12- 13.

( ) تتكون حكومة الأمير عبد القادر من: السيد محمد بن العربي وزيرا السيد أحمد بن علي ابن أبي طالب كاتبا، والحاج مصطفى بن التهامي رئيسا للديوان، والسيد محمد ابن علي الرحاوي حاجبا (وهو منصب يساوي في تقاليد الحكومة الإسلامية منصب رئيس الحكومة، وولى الحاج الجيلالي ناظرا على الخزينة الحكومية والسيد محمد بن فاخة ناظرا للخزينة الملكية، والحاج الطاهر أبا زيد ناظرا على الأوقاف، والسيد الجيلالي العلوي ناظرا على جباية العشور والزكاة والضرائب (وهو منصب يمكن مقارنته بمنصب وزير المالية) وعين علي الحاج أحمد بن الهاشمي المراحي قاضي القضاة (أي: وزير العدل) وولى الحاج ميلود بن عراش وزيرا للشؤون الخارجية، ثم رتب مجلسا للشورى يتكون من 11 عضوا ويضم كبار علماء المملكة، ونظم الحاشية، وعين الخلفاء، وأنشأ الدواوين والإدارات المركزية. انظر: إسماعيل العربي، الأمير عبد القادر الجزائري، ص: 18- 19.

( ) بسام العسلي، الأمير عبد القادر الجزائري، سلسلة جهاد الشعب الجزائري، العدد الرابع، بيروت، دار النفائس ط. 3 1986م، ص: 39- 40.
( ) إسماعيل العربي، الأمير عبد القادر الجزائري، ص: 23.

( ) يحيى بوعزيز، علاقات الأمير عبد القادر وخلفائه بالمملكة التونسية، (أعمال ملتقى الأمير عبد القادر)، مطبوعات جامعة الجزائر 1998م ص: 84. انظر أيضا: إبراهيم مياسي، (بناء دولة الأمير عبد القادر(من قضايا تاريخ الجزائر المعاصر)، الجزائر ديوان المطبوعات الجامعية 1999م، ص: 27 وما بعدها.

( ) محمد بن عبد القادر الجزائري، تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر شرح وتعليق: الدكتور ممدوح حقي، الطبعة الثانية، بيروت، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر 1964م ص: 199.
( ) انظر المثال الذي يمكن أن يسحب على كثير من أقاليم وأوطان الجزائر انظر: علي خنوف، السلطة في الأرياف الشمالية لبايلك الشرق الجزائري نهاية العهد العثماني وبداية العهد الفرنسي، الجزائر، مطبعة العناصر، 1999م ص: 42.

وحول موقف الأمير بتوسع من عشائر المخزن وجماعة الكراغلة أو بقايا السلطة العثمانية بالجزائر راجع: ناصر الدين سعيدوني، موقف الأمير عبد القادر من بقايا السلطة التركية بالجزائر "جماعة الكراغلة ـ عشائر المخزن" الذكرى المئوية لوفاة الأمير عبد القادر (1883- 1983) مجلة التاريخ المركز الوطني للدراسات التاريخية، الجزائر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1983م ص: 39 وما بعدها.

( ) نحب أن نذكر الرسالة التي عبرت عن إخلاص أحمد باي قسنطينة للجهاد وتحرير الوطن، فقد رد على قائد الحملة العسكرية حينما طلب منه ومن نائبه علي بن عيسى الاستسلام" فأجابوه ما نصه: "من الأمة المحافظة على شرفها وبلدها، إلى العسكر الفرنسوي المعتدي على حقوق غيره، قد وصلتنا رسالتكم. وفهمنا ما ذكرتموه فيها. نعم إن مركزنا أمسى في خطر عظيم. ولكن استيلاكم (كذا) على قسنطينة المحمية بالأبطال العربية الذين لا يهابون الموت، موقوف على قتل آخر واحد منهم، واعلموا: أن الموت عندنا تحت أسوار بلدنا أحسن من حياتنا تحت سلطة فرنسا".

انظر: محمد بن عبد القادر الجزائري، تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر ص: 298. انظر أيضًا: محمد العربي الزبيري، مذكرات أحمد باي، وحمدان خوجة، وبوضربة الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر، ط: 2. 1981م ص: 6.
) (Charles Henry Churchill, La vie d’abdelkader , E. N. A. L édition 4 Alger 1991 P: 77.
( ) انظر تعليق المؤرخ محمد الشريف ساحلي عن الخليفة أحمد الطيب بن سالم:

Mohammed - Chérif Sahli , L’émir Abdelkader, Alger;
 entreprise Algérienne de presse Alger 1988 P: 131 et suivante
Benachenhou (A) l’Etat Algerien en 1830 ses institutions sous l’émir Abdelkader ,Imp;E. P. A. Alger.

وانظر نهاية هذا الخليفة في بلاد الشام: سهيل زرقين الخالدي، الإشعاع المغربي في المشرق "دور الجالية الجزائرية في بلاد الشام" تصدير الدكتور أبو القاسم سعد الله، دار الأمة، الجزائر 1997م ص: 31 وما بعدها.

( ) يحيى بوعزيز، علاقات الأمير، ص: 92. ابن العنتري، محمد الصالح، فريدة منسية في حال دخول الترك بلد قسنطينة واستيلائهم على أوطانها أو تاريخ قسنطينة، مراجعة وتقديم وتعليق، الدكتور يحيى بوعزيز، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية 1991م ص: 162.
( ) لوسات فلنزي، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر (1790- 1830) نقله إلى العربية حمادي الساحلي، تونس سراس للنشر، 1994م ص: 145 وما بعدها. انظر تآمر حاكم وجدة مع الاستعمار الفرنسي لتحطيم الأمير عبد القادر الجزائري: ابن العنتري، محمد الصالح، فريدة منسية، ص: 163.
 
( ) لطيفة الأخضر، الإسلام الطرقي، دراسة في موقعه من المجتمع ومن القضية الوطنية، تونس سراس للنشر، 1993م ص: 79. انظر أيضا: تلمساني، بن يوسف، الطريقة التجانية وموقفها من الحكم المركزي بالجزائر(الحكم العثماني، الأمير عبد القادر، الإدارة الاستعمارية) رسالة ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر، معهد التاريخ جامعة الجزائر السنة الجامعية 1997/ 1998م. أما الطيبية وشرفاء وزان بالمغرب الأقصى فقد تحالفوا مع فرنسا الاستعمارية منذ مرحلة مبكرة من الاحتلال الفرنسي لبلادنا، وقد بلغ التعاون ذروته من خلال عملهم كعيون وجواسيس للاستعمار، وساهموا في تثبيط الناس عن الجهاد من خلال الفتاوى المشهورة كفتوى ليون روش، وفتوى قورارة لعام 1893م التي روجت لها زاوية تماسين التجانية والدور الخطير الذي قامت به الطيبية للقضاء على جهاد الشيخ بوعمامة، كما كفرت هذه الطرق الصوفية العميلة للاستعمار الفرنسي بشكل ملفت ـ كل من ثار معلنا الجهاد على العدو الكافر الذي غزا بلادنا وهتك أعراضنا. راجع:
au sujet de la: subvention des Chorfa d’Ouzan. A. O. M. 30H11. Aix- en - Provence.
 
( ) المزاري، الآغا بن عودة، طلوع سعد السعود، الجزء الثاني، تحقيق ودراسة يحيى بوعزيز، بيروت، دار الغرب الإسلامي 1990م ص: 208.
( ) هو أنطوان دوبيش من مواليد بوردو، عُيِّن أسقفًا للجزائر عام 1838م وقام بحملة كبيرة تحت حماية بوجو لإعادة أسقفية الجزائر وأحيى فكرة إعادة رفاة القديس أغسطين إلى (هيبون) عنابة في حفل استفزازي لا يليق إلا بالفرنسيين الصليبيين، وقد فاوض الأمير عبد القادر وبعض خلفائه حول الأسرى، وقد أنشأ بالجزائر من 1839 إلى غاية 1846م منجزات كنسية كثيرة على حساب المساجد ودور الوقف وقصور البايات والأعيان مما يعبر عن انقلاب في النسيج المعماري الإسلامي وهرب إلى إيطاليا ثم أسبانيا لمطالبة الدائنين بأموالهم حتى دفعها عنه نابليون الثالث؛ لأنه قدم خدمات للدولة الفرنسية ثم ذكر الدكتور أبو القاسم سعدالله أن دوبيش دفن في كنيسة سان فيليب (جامع كتشاوة) سنة 1864م. انظر أخباره ومشاريعه أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء السادس، ص: 108- 109- 110- 111- 112- 113- 114.
 

( ) سهيل زرقين الخالدي، الإشعاع المغربي في المشرق "دور الجالية الجزائرية في بلاد الشام"ص: 14- 15.


( ) جمال قنان، جذور ثورة نوفمبر 1954 (الذاكرة)، مجلة الدراسات التاريخية للمقاومة والثورة الجزائرية) العدد الخامس الجزائر ربيع الثاني 1419ﻫ/أوت 1998م ص: 11. انظر أيضا: الأميرة بديعة الحسني الجزائري، ناصر الدين الأمير عبد القادر الجزائري بن محي الدين الحسني (سيرته المجيدة في حقبة من التاريخ)، دمشق، سلام للنشر والترجمة، 1991م ص: 185 وما بعدها.

 بقلم الأستاذ الدكتور محمد الأمين بلغيث
مؤرخ وأكاديمي
الاسمبريد إلكترونيرسالة