مسعود زڤار.. سند هواري بومدين ورجل المهام السرية

مسعود زڤار.. سند هواري بومدين ورجل المهام السرية

 
يكشف صديق لركش في كتابه عن منشورات ”القصبة”، كثيرا من الجوانب المجهولة في حياة مسعود زڤار، الرجل الظاهرة الذي بنى امبراطورية مالية من لا شيء وسخر قنواته عبر العالم لخدمة الجزائر. ووردت في الكتاب حقائق كثيرة تنشر لأول مرة،
مسعود زڤار.. سند هواري بومدين ورجل المهام السرية
يكشف صديق لركش في كتابه عن منشورات ”القصبة”، كثيرا من الجوانب المجهولة في حياة مسعود زڤار، الرجل الظاهرة الذي بنى امبراطورية مالية من لا شيء وسخر قنواته عبر العالم لخدمة الجزائر. ووردت في الكتاب حقائق كثيرة تنشر لأول مرة، منها الحديث عن وجود علاقة متغيرة تخضع للظروف بين عبد الحفيظ بوصوف ومسعود زڤار، موضحا بأن العلاقة بين الرجلين لم تكن في مستوى المثالية التي يتصورها بعض الباحثين. وحسب لركش، فإن الرجلين كانا يتلقيان عند درجة عالية من الوطنية، وكلاهما كان يرغب في استغلال القنوات التجارية الدولية لضمان نقل كميات كبيرة من الأسلحة للثورة، بيد أن زڤار كان يميل، حسب لركش، لصديقه هواري بومدين، وربما هذا ما أثار حفيظة بوصوف.

ويذهب المؤلف إلى حد الحديث عن وجود خلافات بين بومدين وبوصوف، دون أن يقدم تفاصيل عنها، بل ذهب إلى حد اعتبار أن بوصوف أراد إبعاد بومدين، فوجد هذا الأخير مساندة من قبل زڤار الذي أوجد له مخبأ في الدار البيضاء، دون أن يقدم تفاصيل أكثر عن أسباب هذا الخلاف، وكيف خرج بومدين عن ”طاعة” بوصوف. وجاء في الكتاب: ”كانت علاقة زڤار ببوصوف متغيرة، فأحيانا تكون جيدة، لكنها في أحيان أخرى كانت تسوء وتضطرب”.

يعود المؤلف للعلاقة بين بوصوف وبومدين من أجل فهم علاقة زڤار برجل الاستخبارات الجزائرية، ويوضح بأن بومدين بدأ يكسب نفوذا كبيرا في أوساط جيش الحدود بتونس، في الوقت الذي كان بوصوف يملك سلطة على بومدين لعدة أسباب، منها أنه هو من مكنه من تقلد المسؤولية في صفوف الثورة، واعتقاده أن السياسي هو من يملك سلطة القرار وليس العسكري. وكان بوصوف يؤمن بهذه الفكرة حسب المؤلف، رغم أنه دخل في صراعات مع عبان رمضان بخصوص هذه المسألة بالذات.

وكان بوصوف يتصرف، وفق ما جاء في الكتاب، دون الاعتماد على زڤار وعلى قنواته والمعلومات التي كان يمكن أن يقدمها له، على خلاف بومدين الذي عرف كيف يُقرب زڤار منه في الوقت المناسب. ولما تقوت جماعة وجدة، قام بن بلة بالتخلي عن بوصوف وإبعاده عن السلطة خوفا من قدرته الكبيرة على التأثير بفضل القنوات التي احتفظ بها من حرب التحرير.

ويضيف لركش بخصوص الخلافات التي برزت بين جماعة وجدة من جهة، وبوصوف من جهة أخرى عقب الاستقلال، أن مساندة نظام عبد الناصر لأحمد بن بلة على حساب بوصوف هي التي وترت العلاقة بين الرجلين، فالقاهرة لم تعتبر بوصوف حليفا لها، ففضلت بن بلة كما هو معروف.

وكانت مصر تعتبر بومدين حليفا لها، لكن هذا الأخير كان يرفض تدخل النظام المصري في شؤون الثورة. وأرجع كون بوصوف لم يكن مرغوبا فيه في أوساط النظام الناصري، لوجود خلافات بينه وبين رجل المخابرات المصري فتحي الديب، حيث تحدث هذا الأخير في مذكراته عن بوصوف بكثير من السلبية، واعتبر أنه كان يتجسس على قادة الثورة، وحتى على مصالح المخابرات المصرية نفسها.

ويذهب المؤلف إلى حد الكشف عن وجود نية لدى بوصوف بإبعاد بومدين نهائيا، موضحا بأن زڤار تدخل في هذا الوقت بالذات لإحداث الصلح بين الرجلين. ويكشف في السياق نفسه، أن زڤار عقد لقاء بين بومدين وبوصوف في بيته بالدار البيضاء في جويلية 1962، بغية الصلح بين الرجلين. لكن بومدين رفض كل مصالحة مع مسؤوله السابق، حسب لركش. وفي شهر أوت من العام نفسه قرر بوصوف الانسحاب من الحياة السياسية نهائيا بعد أن شعر بأن الأحداث قد تجاوزته، لكنه صرح عقب انقلاب جوان 1965، وبشكل مثير للدهشة، أنه يثق في بومدين خلال حوار أجراه معه الصحفي السويسري شارل هنري فافرو. وحسب المؤلف، فإن بوصوف كان يرغب في إجراء هذا الحوار، لكي يعلن صراحة مساندته لبومدين. أما عن الأسباب التي تكمن وراء هذا التصريح، فهي مجهولة، ولا نعثر عليها بين صفحات الكتاب.

الوقوف إلى جانب هواري بومدين


بعد انتهاء الحرب، شعر مسعود زڤار بالتعب بعد الجهد الذي بذله لخدمة الثورة، لكن فرحة الانتصار على القوة الاستعمارية لم تدم طويلا، بسبب اغتيال شقيقه إبراهيم الذي خدم الثورة، وكان ينقل الأسلحة والأدوية بسيارته نحو الجبال. ويرجع المؤلف أسباب اغتيال شقيق زڤار إلى وشاية أحد اليهود الذين علموا بنشاطاته السرية، فأوقفته الشرطة الفرنسية، وتعرض للتعذيب، ثم للإعدام دون محاكمة. وجاء في الكتاب: ”شعر زڤار بالغضب بعد إعدام شقيقه، وتأكد من صحة خياراته الثورية”.

عقب انتهاء الثورة عاد مسعود زڤار إلى الجزائر، وكان يرغب في الاستقرار رفقة عائلته في العلمة، لكنه سرعان ما اشترى منزلا فخما بأعالي الجزائر العاصمة. ويكشف المؤلف أن زڤار أنهى الثورة برتبة رائد في صفوف جيش التحرير الوطني، وأنه خرج منها منتصرا، حيث تمكنت جماعة وجدة التي ينتمي إليها من الوصول للسلطة، وتم تعيين رفيق دربه بومدين وزيرا للدفاع، وكان بمثابة الرجل القوي في النظام حينها.

ويذكر المؤلف أنه كان بإمكان زڤار أن يصبح وزيرا أو ديبلوماسيا أو يبقى في الجيش، لكنه قرر غير كل هذا وفضل التسريح من الجيش للتفرغ للأعمال، محتفظا بوفائه لهواري بومدين. وفي هذه الفترة، شرع زڤار في السفر عبر العالم في وقت كانت تنعم به الجزائر بصيت كبير، بعد أن تمكنت من قهر قوة استعمارية مثل فرنسا. ومن هنا بدأت أعماله تنتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فجعل من جنيف السويسرية مركزا لأعماله.

وحسب المؤلف، فإن زڤار بذل جهدا كبيرا لكي يتمكن بومدين من الوصول إلى السلطة عبر منحه المعلومات الكافية وتسخير كل قنواته لصالحه. واستنادا إلى تصريح المرحوم قاصدي مرباح، فإن بومدين كان يعتبر زڤار بمثابة صديق مقرب وحميم، حتى أن بومدين الذي لم يكن يعطي الجانب المادي أي أهمية، طلب من زڤار، غداة الاستقلال، بأن يشرف على إقامة عائلته بالجزائر العاصمة. وبخصوص انقلاب 19 جوان 1965، ذكر المؤلف أن بومدين كان يبحث عن سند لكي ينقلب على بن بلة، فقدم له زڤار مساعدة كبيرة تمثلت في حصوله على تأكيد أمريكي من أجل عدم التدخل في مجريات الأحداث.

ولما تعرض بومدين لمحاولة اغتيال في أفريل 1968، بالقرب من قصر الحكومة، اضطر للانسحاب لبعض الوقت والاختفاء عن الأنظار، فاختار إحدى فيلات مسعود زڤار للإقامة بها في سرية تامة بأعالي الجزائر العاصمة، ولم يسمح بومدين حينها بأي زيارة باستثناء زيارة وزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة.

وبخصوص تأميم المحروقات سنة 1971، كلف بومدين زڤار بالحصول على الضمان الأمريكي بعدم التدخل مرة أخرى. وبالفعل، قام زڤار بالمهمة كديبلوماسي غير رسمي، وكان يحمل تكليفا بمهمة رسمية، وفق ما جاء في الكتاب. وأضاف لركش أن بومدين استند فعلا للمعلومات التي قدمها له زڤار من أجل اتخاذ قرار تأميم المحروقات استنادا إلى معلومات دقيقة. ولما زار بومدين الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974، ليلقي خطابه الشهير بهيئة الأمم المتحدة، كلف زڤار بتحضير الجانب اللوجيستي للمهمة.

 
ويبرز المؤلف أن أطرافا أكدت تدهور العلاقة بين بومدين وزڤار عند بداية السبعينيات، وذلك ما أكدته أنيسة بومدين في حوار مع المؤلف، حيث قالت له صراحة إن زڤار لم يكن صديقا لبومدين، وذكرت أن الرئيس طلب منها سنة 1978، بعدم السماح لمسعود زڤار بزيارتهم، وهو ما اعتبره المؤلف تناقضا صارخا، بدليل أن بومدين وقف إلى جانب زڤار في قضية شقيقته دليلة، وذهب إلى حد حضور حفل استقبال نظمه زڤار بالعلمة بمناسبة عودة شقيقته إلى الجزائر.

زڤار ينهي الفتور بين الجزائر وواشنطن


يذكر لركش، في كتابه، أن مسعود زڤار استقر في سويسرا التي اتخذت موقفا مناصرا للثورة الجزائرية، واختار جنيف بحكم كونها مدينة دولية، وكان على صلة وثيقة برجال فرنسيس جيزون وحملة الحقائب الذين كانوا يمدون الثورة بالمساعدة، الذين كان يعرفهم زڤار معرفة جيدة، على غرار ”فرانسوا جينو” و«جورج بيشارت”، وهما الرجلان الأساسيان في حلقة ”حملة الحقائب”. وجاء في الكتاب أن زڤار كان واعيا منذ البداية بضرورة تشكيل فريق عمل متين، بمعية جيلاني الصغير وصديقه الأمريكي ”جيمي أويبل” و”ريموند أوباديا”. وفي هذه الظروف، أنشأ زڤار شركته في ديسمبر 1965، وسميت ”سوسينتاك”، وكانت تهتم في البداية بالتجارة، لكن بعد العمل مع ”جاكلين شفارز” منذ العام 1967، أعطى زڤار دفعا ونفسا جديدا لشركته، وعملت جاكلين في الشركة إلى غاية سنة 1987. وحسب لركش، فإن بومدين ترك زڤار يمارس نشاطه التجاري، ليستفيد من ديبلوماسيته الموازية، فساهم في تكوين لوبيات التأثير لصالح الجزائر بالأخص في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولما قامت حرب الستة أيام سنة 1967، قطعت الجزائر، حسب المؤلف، علاقاتها الدبلوماسية مع واشنطن التي ساندت إسرائيل، فتم تكليف زڤار بالاحتفاظ بعلاقاته مع الأوساط الأمريكية لصالح الجزائر، علما أن بومدين لم يكن يرغب في قطع العلاقة نهائيا مع أمريكا، وفق ما جاء في الكتاب، بل كان يسعى لتدعيمها، ولتحقيق هذا المبدأ اعتمد بومدين على ديبلوماسية رسمية يمثلها وزير الخارجية بوتفليقة، وأخرى غير رسمية يمثلها زڤار الذي كلف بدعوة الشركات الأمريكية للاستثمار في الجزائر. وكتب لركش: ”لقد بقي مسعود زڤار بمثابة الرجل المفتاح في العلاقات الجزائرية الأمريكية خلال أكثر من عشر سنوات بين 1967 و1978”.

 تحميل كتاب قصبة الجزائر القلعة وقصر الداى

وعاد المؤلف إلى علاقة زڤار بالولايات المتحدة الأمريكية وأرجعها لفترة حرب التحرير، معتبرا أن بومدين كان يملك فطنة جعلته يدرك مدى أهمية استراتيجية ”التنوع” بغية تقليص الأضرار وعدم الخضوع بشكل مطلق للمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي، والتقليل من تأثير فرنسا على المستعمرة القديمة، خاصة أن الديبلوماسية الجزائرية خلال تلك المرحلة كانت تحظى بصيت عالمي، حيث تدخلت في الفيتنام خلال الحرب مع أمريكا للحصول على قائمة بأسماء المساجين الأمريكيين.

وضمن هذا التصور الذي اعتمد عليه بومدين، كلف زڤار باستقبال فرانك بورمان، المراسل الخاص للرئيس الأمريكي خلال زيارته للجزائر سنة 1970، وأثمرت هذه الزيارة عن التزام الجزائر بالتدخل لصالح تحرير المساجين الأمريكيين في ”هانوي”. وعثر المؤلف على هذا الالتزام في مذكرة كتبها هنري كيسنجر، وأرسلها للبيت الأبيض، تناول فيها مهمة ”بورمان” إلى الجزائر. وحسب كيسنجر، فإن زڤار هو من حضر لزيارة بورمان للجزائر. واعتبر كيسنجر في مذكراته أن ”زڤار يعد بمثابة أحد أقرب المقربين من الرئيس بومدين”.

وحسب المؤلف، فإن زڤار كان يرسل هدايا غير رسمية للرئيس الأمريكي ”ريتشارد نيكسون”، سلمها له ”فرانك بورمان” إثر عودته إلى أمريكا. وبعدها، قام الرئيس نيكسون ببعث رسالة شكر لزڤار بتاريخ 27 أكتوبر 1970، والرسالة منشورة في الكتاب. أما الشكر الأمريكي الرسمي للجزائر، فجاء بعد سنتين، في مارس 1972. وحسب لركش، فإن القرار تم اتخاذه بعد التأثير الذي مارسه الثنائي كيسنجر وزڤار على البيت الأبيض. وكان كيسنجر يعتقد حينها أن العلاقات الديبلوماسية بين الجزائر وواشنطن بإمكانها أن تعود بفضل التبادل التجاري كخطوة أولى. وبالفعل، عادت العلاقات بين البلدين رسميا سنة 1974، وورد في الكتاب أن زڤار لعب دورا كبيرا في عودة هذه العلاقات بعد سنوات من الفتور.

ويكشف لركش أن زڤار ساهم في الإعداد للقاء سري بين الرئيس بومدين والرئيس الأمريكي نيكسون إثر زيارته لواشنطن سنة 1974. وجرى اللقاء بمكتب نيكسون بالبيت الأبيض يوم 11 أفريل 1974، عقب الخطاب الشهير الذي ألقاه بومدين في هيئة الأمم المتحدة. وساهم هذا الحدث، حسب المؤلف، في جعل الأمريكيين يدركون أهمية المكانة التي يحظى بها زار في أوساط النظام الجزائري.

ويذكر المؤلف أن التأثير التجاري لزڤار في الولايات المتحدة الأمريكية بلغ حدا لا يمكن تصوره، إذ استطاع أن يشتري آبارا للنفط في فيرجينيا، عبر إحدى شركاته، كما اشترى شركة الخطوط الجوية ”أنتير كونتينونتال”، كما اقتنى عددا من الفنادق الفخمة، منها ”نزل روزفلت” بلوس أنجلس الذي اشتراه من حاخام يهودي. واشتهر الفندق باحتضانه لأول حفل لتوزيع جوائز الأوسكار يوم 16 ماي 1929، إضافة إلى ممتلكات أخرى في سويسرا وفرنسا وإسبانيا وجزر البهاماس وكندا والبرتغال، وبلغت ثروت زڤار آنذاك ما بين 150 و200 مليون دولار.

تحميل كتاب قصبة الجزائر القلعة وقصر الداى


منقول

البحث فى جوجل

google-playkhamsatmostaqltradent